كل شيء عن الاستخبارات الأمريكية …بنية و تكوين ونظام الاستخبارات في الولايات المتحدة الأمريكية


بشير الوندي تعد الاجهزة الاستخبارية الامريكية من اقوى الاجهزة الاستخبارية في العالم , والتي تكاد تجدها فاعلة في قارات العالم كافة بحكم تفوقها المالي والتكنلوجي بالاضافة الى طموحات امريكا لتزعم الكوكب , ومن المفارقات ان تعتبر الاستخبارات الامريكية الخارجية من احدث الاجهزة الاستخبارية بين الدول الكبرى. . حكم الجغرافيا بحكم الجغرافيا التي جعلت امريكا في عزلة بحرية عن العالم , فإنها اعتمدت في اطلالاتها الخارجية على الاستخبارات العسكرية التي تأسست مع بداية حرب الاستقلال عام ١٧٧٤ , ومن ثم تأخرت كثيراً في تشكيل جهاز استخبارات خارجي حتى اواخر الحرب العالمية الثانية حيث تأسست الCIA عام 1947. وتعد امريكا القوة الاكبر عالمياً منذ الحرب العالمية الثانية والى الآن , والحقيقة انها لم تكن قوة ضعيفة قبل الحرب بل كانت امبراطورية بعيدة معزولة سميت بأرض الفرص والاحلام رغم الازمة الاقتصادية الطاحنة التي مرت عليها في اواخر العقد الثالث من القرن العشرين. وكانت امريكا وحدها تناصر الشعوب وتمقت الامبراطوريات , كما كان وجهها العالمي محبوباً , فهي لم تقع تحت حكم دكتاتوري منذ تأسيسها كدولة . ومع نهاية الحرب العالمية , لم تخرج امريكا كبلد منتصر فقط وانما كانت زعيمة الجناح الغربي للمنتصرين دون ان تتأثر بنيتها التحتية بشيء يذكر بحكم بعد الدولة عن ميادين المعارك العسكرية , وزادتها الحرب العالمية الثانية قوة ونفوذاً على اوروبا من جهة وعلى الشرق الاوسط والخليج والدول العربية واسيا من جهة اخرى بعد ان ورثت ارث الامبراطورية البريطانية وحلت محلها حين لم تستطع الاخيرة من مواصلة سيطرتها بسبب تأثيرات الحرب العالمية على بنيتها واقتصادياتها . اضف الى ذلك ان امريكا استحوذت على خلاصة التكنلوجيا الالمانية المتطورة حينذاك من خلال استقطاب العلماء الالمان والمجيء بهم الى امريكا , فكان ان تعاضمت قوة امريكا اثر الحرب , مما توجب عليها ان توجد اجهزة استخبارية متطورة كذراع للسيطرة على العالم لاسيما مع بدايات انطلاق الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي , فاصبحت القوة الاولى عالمياً بحكم التكنلوجيا والتطور في الاتصالات والمواصلات ومتغيرات العالم سياسياً , وكذا اصبحت استخباراتها ايضاً الاولى عالمياً. وفي مجال تأثيرات الجغرافيا على العمل الاستخباري الامريكي كذلك , فان البلاد بعيدة عن مراكز الصراع والتهديد وهو ماجعل امريكا لفترة كبيرة لاتعاني من تهديد العدو داخلياً وهي ميزة تمتعت بها الاستخبارات الامريكية . ونتيجة لعدم شعور الاستخبارات الامريكية بالتهديد الداخلي , لذا بنيت الاستخبارات الامريكية بنظرة الهجوم والتدخل , فدول الجوار هما دولتان فقط , كندا شمالاً والمكسيك جنوباً , رغم ان امريكا هي رابع دولة من حيث المساحة بعد روسيا وكندا والصين , فتعداد امريكا السكاني عشرة اضعاف كندا , وضعفين ونصف اكثر من المكسيك. فالجغرافيا البعيدة لامريكا مع دول العالم ساهمت كثيرا في استتباب الامن وتراجع فرص التهديد الخارجي , كما ان عدم وجود وصل ارضي جغرافي بين امريكا والعالم جعل امريكا تعتمد كليا على القوات البحرية . بني المجتمع الامريكي على العنف , فراعي البقر الامريكي عندما تتمرد البقرة وتخرج عن القطيع يصوب عليها ويقتلها , لذا فإنَّ الميول للعنف متصاعدة في المجتمع الامريكي , لاسيما وان اصول الاروبيين الاوائل الواصلين لأمريكا قبل موجات المهاجرين هم من المجرمين والمنفيين واصحاب السوابق . ولاتزال نزعة العنف هي الغالبة في ممارسة الشعب وهو امر واضح في ارتفاع مستويات الجريمة ونسبة المجرمين والسجناء حيث يصلون الى 5% من عموم الشعب الامريكي , والامر هنا ليس من باب الانتقاص لكنه من باب التوصيف الاجتماعي . ان البيئه العنيفة في المجتمع الامريكي لها تأثير على تكوين الشخصية الامريكية , وبالتاكيد, فانها تؤثر على الفكر الاستخباري , فكما ان الذكاء كان ميزة الاستخبارات البريطانية في ايام زهوها , فان القوة والعنف هي ميزة الاستخبارات الامريكية , ونلاحظ هنا انها تكثر من عمليات الاطاحة العنيفة بالانظمة , مما يجعلها اجهزة تنفيذية عالمية شبه عسكرية و تستعين كثيراً بالعسكر. كما ان الامريكي كان مقامرا بطبيعته , وهو ماانعكس على طبيعة حياته وحتى على الاصطلاحات السياسية الامريكية المأخوذة من المقامرة مثل : حرق الاوراق , الجوكر , تحت الطاولة , قلب الطاولة , وغيرها من مفاهيم القمار, وعندما وضعوا أسماء رجال النظام الصدامي السابق المطلوبين , فانهم وضعوها على اوراق البوكر!!!. وقد انعكس ذلك على الاستخبارات حيث تعتبر الاستخبارات الامريكية الاولى في الدهاء وتمتهن الخداع بشكل محترف , وتتمحور طريقة عمل الاستخبارات الامريكية على مبدأ “احمل فكرة كبيرة وتكلم بلغة ساذجة او بلهاء” وهذه الفكرة هي المحرك الاساس للدبلوماسية الامريكية في العموم. الاكبر عالمياً تمتلك امريكا حالياً اكبر جهاز استخباري عالمياً , فلديها ١٧ جهاز استخباري بملاك هو الأضخم عالمياً باكثر من ١٢٠ الف منتسب , حيث ان معدل عددعناصر الاستخبارات لتعداد المواطنين في امريكا هو ١ لكل ٢٦٣٠ مواطن وقرابة ١٠% من عديد القوات المسلحة الامريكية. وهي احد اكبر اركان امريكا للسيطرة على العالم كما ان احدى اكبر نقاط قوة الاستخبارات الامريكية هو التركيز اي جعل الاهداف واضحة . كما تعتبر الاستخبارات الامريكية استخبارات دولية تهتم بكل انواع المعلومات في كل ارجاء العالم وهي تتجسس في كل مكان , وتعتبر الاولى عالمياً من حيث بروتوكولات التعاون الاستخباري , فلديها اكثر من ٩٠ عقد وبروتوكول تعاون مع ٩٠ دولة , والبعض منها تعمل كوكالات ساندة للاستخبارات الامريكية في العالم, خاصة الدول الثرية كدول الخليج التي ترتبط بعقود طويلة الامد مع الاستخبارات الامريكية وتقدم الاسناد مقابل المعلومات والتدريب والتطوير. التخصص الفاصل ذكرنا في مباحث سابقة ان اذرع الاستخبارات هي ستة : السرية ونعني بها المصادر والجواسيس , والعلنية من المنشور والمسموع والمتداول , والفنية التي تتم عبر التجسس التقني والهكرز وغيرها , والتواصلية من خلال اتصال المواطنين بالتبليغ , والتبادلية التي تتم بالتعاون الاستخباري بين الدول , ونتاجات التحقيق وهي المعلومات التي تنتج من التحقيق مع المجرمين . وهذه الاذرع الستة تكون موجودة عادة داخل منظومة الجهاز الاستخباري , ولكن في تركيبة الاستخبارات الامريكية لا يوجد خلط في الادوار , ف CIA تعمل فقط في مجال الذراع السري وتجند المصادر البشرية وهذه هي حدودها , اما التحقيق في امريكا فهو من اختصاص ال FBI , والامن الفدرالي وهو من يقوم بالحصول على المعلومات المستحصلة من التحقيق , وهنالك وكالة مختصة بالتجسس الفني , ورغم وجود مراكز تحليل للمعلومات في كل جهاز , لكن هناك جهاز او وكالة منفصلة مختصة بتحليل البيانات , اما المعلومات التواصلية فتتم مع الشرطة المحلية من خلال رقم الطوارىء ٩١١. اي هناك تركيز لكل جهاز على ذراع واحد فقط , وهذا تخصيص رائع جداً لا يوجد في باقي الدول تقريباً , واخيراً استحدثوا منصب رئيس هيئة الاستخبارات القومية وهو يشرف على الاختصاص الاستخباري رغم اختلاف ارتباط الاجهزة حسب مرجعياتها , وهنا ايضا يكمن التركيز والإهتمام والادارة الصحيحة حيث ان هنالك رئيس للمجتمع الاستخباري للتنسيق وتوزيع الادوار والتبادل . موازنات خيالية ان الاستخبارات الامريكية تعي جيداً ان المعلومات قوة , والقوة الاكبر في امتلاك المعلومة اولاً قبل الآخرين , لذا كان تطور الجهد الاستخباري لديهم مستمراً , وقد ساعدها على امتلاك المعلومات على مدار الكرة الارضية هي موازناتهم الضخمة , فالانفاق الامريكي على الاستخبارات هو الأعلى عالمياً بموازنات خيالية بالنسبة الى معظم دول العالم , ويكفي ان نشير الى ان اول موازنة للاستخبارات كانت 1 الى 12 من موازنة الدولة عام ١٧٨٩, ناهيك عن الكثير من المؤسسات والشركات التي هي في اساسها اغطية خفية للعمل الاستخباري في مختلف دول العالم , عدا عن سيطرة الاستخبارات على الاعلام العالمي ومن خلاله تقوم بالتأثير على العقول وهي تتدخل في الكثير من صناعة الافلام وفي صناعة الاخبار والتأثير على الرأي العام الداخلي والعالمي . وزاد في تضخم موازنات الاجهزة الاستخبارية اعتمادها على مجال خصخصة العمل الاستخباري الذي تتفرد به عن غيرها من الاجهزة الاستخبارية العالمية , فحتى عناصر ال CIA يعتمدون في تنقلاتهم خارج بلدهم على شركات امنية متخصصة من القطاع الخاص , بل ان الكثير من الاعمال الفنية كالهكرز والتكنلوجيا الخاصة بالاجهزة الاستخبارية مخصخصة ضمن شركات فنية من القطاع الخاص. طرق الانتماء يتم اختيار عناصر الاستخبارات الامريكية بأربعة اشكال هي : ١ توظيف داخلي : بالانتقال من جهاز استخباري لآخر وذالك لكبر اجهزتهم الاستخبارية . ٢ التوظيف الانتقائي : غالباً ما تستعين الاستخبارات بالمؤسسات والجامعات ليتم استقطاب العناصر المميزة الموهوبة الى الاستخبارات . ٣ التوظيف الانتقالي : ويتم غالباً من خلال اختيار المميزين من الجيش . ٤ التوظيف العشوائي : بالتقديم المباشر. —————————- اخفاقات وانتصارات —————————- برغم ضخامة الاجهزة الاستخبارية الامريكية ورغم انتصاراتها الكبيرة في العالم وفي تغيير الكثير من الانظمة وفي الاختراقات , الا ان هنالك الكثير من محطات الاخفاق والانتكاسات والكوارث الامنية التي مرت بها . ففي نظرة مجملة للحروب التي دخلتها امريكا بعد الحربين العالميتين نرى انها لم تكن موفقة عسكرياً في الغالب , ولعل فيتنام اكبر مثال على ذلك , وخسارة الحروب كما نعلم هو ليس اخفاق عسكري فقط لكنه اخفاق استخباري ايضاً . كما ان من علامات الاخفاق الاستخباري الامريكي هو الدخول المباشر في الحرب الباردة من بوابة المتشددين الاسلاميين , وعندما اصبحت امريكا القوة الوحيدة عالمياً في ١٩٩٠ اثر انهيار الاتحاد السوفيتي , اصيبت الاستخبارات الامريكية بالغرور حيث بقيت بلا منافس مما جعلها متراخية ومتهاونة ومتهادنة حتى ١١ سبتمبر عندما استفاقت على كارثة سقوط البرجين . بالنتيجة, فانه برغم التطور الهائل الذي حققته الاستخبارات الامريكية في علم الاستخبارات مستعينة بالتكنلوجيا , الا ان الامريكي لازال يعيش هاجس الخوف في كثير من بلدان العالم لان حماقة الاجهزة الاستخبارية اطلقت المارد من القمقم ولم تعد تستطيع ان تعيده . ضرب الاسس ان من ابرز القيم والميزات الامريكية ميزتان , الاولى انها تطبع الدولار كعملة عالمية لاغنى عنها , والثانية انها مجتمع مختلط الاجناس تميزه الهوية الوطنية , الا ان الادارة الحالية للبيت الابيض تتخبط في ضرب هذين الاساسين اساس العملة (الدولار ) واساس التنوع العرقي (بلد المهاجرين من كل الاعراق) . فامريكا تعالج مشاكلها الاقتصادية الحالية بعقوبات على الصين وايران وروسيا وتركيا و… بواسطة الدولار , مما يجعل الدولار عملة خطرة تحفز الاخرين ليفكروا جدياً في التخلص من ربقته وفي ايجاد البديل عنه , وفي افقاد الامريكان تلك الميزة , فمثل تلك العقوبات ستؤذي الشعب الامريكي على المدى البعيد . القيمة الامريكية الثانية التي تنسفها الادارة الامريكية الحالية هي الهويه الوطنية الجامعة والتي تميز الشعب الامريكي بالتنوع من خلال اصول المهاجرين , فالادارة الامريكية الحالية بدأت تزعزع هذه القيم , فتتوجه مرة بالضد من ذوي الاصول المكسيكية , ومرة يتم تهديد مسلمي امريكا بالطرد ثم يهاجم نساء برلمانيات من السود ومرة يتم تهديد ذوي الاصول الآسيوية بالطرد . ان تفشي تلك السياسات تؤدي الى تحطم اسس اية دولة او امبراطورية , وان دور الاستخبارات الناجحة هو في درء تلك المخاطر , فسنن التأريخ تشير الى حضارات وامبراطوريات ودول كبرى سادت ثم بادت , وان من اخطر اسباب ذلك هو ضرب الاقتصاد وتفكك النسيج الاجتماعي , وكلا العاملين يجري السير بهما في العهد الامريكي الجديد بشكل ملفت . لاتزال الاستخبارات الامريكية بكل مؤسساتها هي الفاعل الاستخباري الاكبر في العالم لاسيما عالمنا الثالث , وهو امر نجد مصاديقه في الكثير من البلدان العربية التي تكاد البعض من حكوماتها تكون مجرد العوبة بيد الاجهزة الاستخبارية تلك , ووصل تأثير تلك الاجهزة الاستخبارية الى الحد الذي تنطبق معه مقولة الامام علي (ع) ان الدنيا اذا اقبلت اعطتك محاسن غيرك , فصار في ضمير قطاعات واسعة من الشعوب واوساط مثقفيها ان كل مايجري امامهم هو مخطط وملعوب من الاعيب السياسة الامريكية ودوائر استخباراتها , والله الموفق.


dzayer info
Publié la première fois le 17/01/2020 12:51
Rapport généré le 29/03/2020
Presse algérie

Plus d'articles